ابو القاسم عبد الكريم القشيري
9
لطائف الإشارات
ففعل ذلك ، وجمع بين طريقة الأسفراييني وطريقة ابن فورك ) طبقات الشافعية للسبكي ج 3 ص 243 وما بعدها . وبينما كان القشيري منصرفا بكل همته إلى هذا اللون من الدراسة ، دائب الاتصال بهذا الطراز من الشيوخ ساقه القدر ذات يوم إلى مجلس من لون آخر يتصدره شيخ من طراز آخر . استمع القشيري إلى أبى على الدقاق وهو يعظ على طريقة الصوفية ؛ ويتحدث في الرياضات والمجاهدات ، والأحوال والمكشوفات ، والأذواق والمواجيد ، والمعارف العليا التي تنثال من الحق على عباده الذين اصطفاهم ، وإذا بالرجل والحديث يستوليان عليه ، ويملكان فيه كل ذرة ، وإذا القشيري يحادث نفسه صامتا : إني لهذا خلقت ! وعندما كان يتهيأ ليغشى ما اعتاد من مجالس كانت أقدامه تسوقه نحو الدقاق ومجلسه ؛ فكان أول من يجلس وآخر من ينهض . ولمحه الشيخ ، ورأى فيه إصغاء ملفتا للنظر ، فقربه منه ، وحباه بعطفه . وذات يوم تقدم الطالب - في استحياء - من شيخه ، فشكا إليه أمرا حزبه ؛ إنه لا يستطيع أن يجمع بين المواظبة على ما اعتاد من مجالس وبين مجلس الدقاق ، وهو يؤثر أن ينصرف بكل همته وعزيمته إلى علم القلوب ، وابتسم الشيخ للشاب ، وتطلع إلى وجهه ، وربت على كتفه قائلا : - إنما ينبغي لك أولا أن تتقن دراستك بقدر طاقتك ! ومضى الشاب الطموح يجمع بين الدراستين ، وساعده ذلك على أن يتكون تكوينا عقليا ووجدانيا في مرحلة من أدق مراحل العمر ، كما ساعده على أن يتجنّب كثيرا من المشاكل النفسية التي تلم بأمثاله نتيجة الاغتراب عن بلده ، ونتيجة الملل . وأعجب الدقاق بمثابرته وطموحه واستقامته وتواضعه ( فاختاره لكريمته فاطمة مؤثرا إياه على سائر أقربائها الذين تقدموا لخطبتها ) ، وفيات الأعيان ج 2 ص 375 . وهكذا توثقت الصلة بين الشيخ والشاب ، وصار الدقاق رائدة وملهمه الذي أعانه على مواجهة مشكلات الحياة ، وبصّره بآفات النفس وأدوائها ، وكشف له عن الكثير من الخفايا والدقائق .